السبت، 13 ديسمبر 2014

"عندما كنت طفلاً، رأيت الله،رأيت ملائكة،رأيت أسرار العالَمَين العلويّ والسفلي، ظننتُ أنَّ جميع الرجال رأوا ما رأيته، لكني سرعان ما أدركت أنهم لم يروا..."                                        شمس التبريزي.
******
بهذه العبارات، تستهلُّ أليف شافاق، الروائية التركية، روايتها "قواعد العشق الأربعون" التي عنونتها عنواناً فرعياً "رواية عن جلال الدين الرومي".
تتصدى أليف شافاق للصوفية، كتجربة فردية تنقل المرء إلى العشق الإلهي، حيث، يتماهى الصوفي في خالقه ويبدو أقرب إلى الأثير في خفته، فينبذ العالم بما فيه من شهوات...غير آبه بما يقوله الناس، ويفني نفسه من أجل الآخر.وبهذا المعنى، تخلق أليف شافاق عالمين روائيين متداخلين، يختلفان عن بعضهما أشد الاختلاف، لكن التجربة الصوفية توحدهما، عالم إيلا وعزيز زاهار، مؤلف رواية "الكفر الحلو"، اللذين يعيشان في القرن الواحد والعشرين، وعالم جلال الدين الرومي وشمس التبريزي بطلا رواية "الكفر الحلو" اللذين عاشا قي القرن الثالث عشر، ما الذي يجمع بين هذين العالمين؟


تتناوب فصول الروايتين في الرواية نفسها بخفّة، وأليف شافاق روائية تتقن أدواتها، وتضبط روايتها بإحكام، وتظهر ثقافة رفيعة واطلاعاً واسعاً على ثقافات شرقية وغربية بما فيها التجارب الصوفية وفلسفتها، لكن السؤال الذي يخطر في بال القارئ: هل يمكن تفسير العالم وفهمه عن طريق التجربة الصوفية؟ هل بلغت أليف شافاق الإدهاش في الرواية؟
لم أستطع تلمُّس ذلك في هذا العمل الذي يمتدّ لخمسمئة صفحة، وإن كانت روايتها نموذجاً للرواية الأوروبية المتماسكة، متقنة الصنع، فالروائية تجيب عن الأسئلة كلها التي تتبادر إلى ذهن القارئ، لا مكان لأسئلة جديدة، ويمكن للقارئ أن يتبصر مستقبل الشخصيات والمآلات التي ستؤول إليها، تمسك بالقارئ وتسيّره وفقاً لقواعدها التي تجترحها.

توازي سيرة جلال الدين الرومي رجل الدين الوقور ذي النمط الكلاسيكي، على الرغم من توقه لتغيير حياته الراكدة التي تفتقد الإدهاش، إمام جامع وخطيب مفوّه ذو مريدين كُثر، سيرة إيلا المرأة الأميركية سيدة المطبخ، الزوجة الطيِّعة، التي تجهد نفسها في تأمين حاجات أولادها ورغبات زوجها الذي يخونها، وتتكتم على ذلك حرصاً على مؤسستها الزوجية، وهي، في ذلك كله، غافلة عن حياتها الشخصية.
بحيرتان
ما الذي عكّر صفو هاتين البحيرتين الراكدتين؟ ما الذي بعث الحركة من هذا السكون المطبق؟
كان ظهور شمس التبريزي هو الحجر الذي بعث الحركة في حياة جلال الدين الرومي، شمس الدرويش المتجول، والذي لا نعرف بالضبط لم بات متصوفاً، إذ لا تقدم الرواية شمساً إلا بوصفه درويشاً يتردد على حلقات التصوف. أثرى ظهور شمس حياة جلال الدين الرومي، كما أثرى حياة الآخرين، إذ نقل بعضهم إلى حياة أخرى، من مريض الجذام إلى السكير والمومسة التي غيرت مجرى حياتها عند التقائها شمساً، ونَقْلِ جلال الدين الرومي من الصورة النمطية لرجل الدين إلى رجل زاهد لا يهتم لأمر مريديه وأولاده وزوجته المسيحية التي هامت به، فبات يقضي معظم أوقاته في القراءة والتأمل بصحبة شمس، وكان أن تسببت علاقتهما بنبذ مجتمع جلال الدين الرومي له وكره مريديه لشمس ورغبتهم في التخلص منه.


وعلى الرغم من اختلافهم الشديد حين التقيا إلا أنه بمرور الوقت يتحدان في دائرة يصعب كسرها، وتنتهي العلاقة بمقتل شمس وبلوغ جلال الدين الرومي مكانة عالية في الشعر الصوفي.
ما الذي يحدو بشمس التبريزي لخوض هذه التجربة؟ هو الذي رأى موته ساعة دخوله قونية "مدينة جلال الدين"، أهو توق الفراشة للاحتراق بالنار؟ يموت شمس ويُكتَب الخلود لجلال الدين الرومي. وهل كان على جلال الدين الرومي أن يمرَّ بمحنة عظيمة، محنة انفضاض الناس عنه وفقد شمس كي يتحول إلى شاعر صوفي لا يُشقُّ له غبار؟
الأمر نفسه يتكرر مع عزيز، المصاب بمرض السرطان والذي يعرف أن نهايته وشيكة، بيد أن ذلك لم يمنعه من التعرف إلى إيلا وعشقه لها وإطلاعها على عالم الصوفية، فتنتهي تجربتهما بانعتاق إيلا من حياتها السابقة وبحثها عن حياة جديدة في مدينة لا تعرفها.
الصوفية في العصر الرقمي
ما الذي تريد أن تقوله الروائية وهي تنقل رواية جلال الدين الرومي إلى قرننا هذا؟ هل الصوفية تلك التجربة الفردية كفيلة بخلاص البشرية في هذا العالم المتغير وعصر الثورة الرقمية؟
حين تطلعنا بتساوق مذهل على حياة إيلا الرتيبة والتي تعصف بها الريح ما إن تقرأ رواية "الكفر الحلو" لعزيز زاهار، عزيز الذي مرّ بمحنة تلو أخرى، محنة موت زوجته ومن ثم إدمانه المخدرات، لينتهي عند عتبات الصوفية، عزيز الذي رأى أسوأ وأفضل ما في الإنسانية ولم يعد يفاجئه أمر، المنحاز للفقراء والمستضعفين، هو شمس إيلا التبريزي الذي أُلقي في بحيرتها الراكدة.
هل يمكن لكائنين مختلفين تفصل بينهما أميال شاسعة أن يلتقيا؟ بل أن يقعا في الحب، هذا ما حدث بالضبط بين إيلا وعزيز زاهار، عشق خلخل حياتها ودفعها باتجاه لا يتساوق مع حياتها التي عاشتها، تلتقي إيلا بعزيز لكنها لا تمارس الجنس معه، يتعرف جلال الدين الرومي إلى شمس فيهمل زوجته، يتزوج شمس الدين التبريزي كيميا مريدة جلال الدين الرومي ويعزف عن ممارسة الجنس معها، ما هو سؤال الجنس بالنسبة للمتصوفة؟ هل الجنس حرام؟ هل على المتصوفة إهمال الجسد والتفرغ لمحبة الله؟
قسمت أليف شافاق روايتها الرواية إلى خمسة أجزاء، تنضوي الأجزاء الأربعة الأولى على عناصر الوجود التي حددها سقراط: التراب "الأشياء التي تكون صلبة، متشربة، وساكنة"، والماء "الأشياء السائلة تتغير ولا يمكن التنبؤ بها"، والريح "الأشياء التي تتحرك، تتطور وتتحدى"، والنار "الأشياء التي تدمّر وتحطّم"، وتنتهي بجزء أسمته "العدم"، وأثر هذه العناصر على شخصيات الروايتين، وكأنما تنطوي الأكوان في كل شخصية من شخصيات الرواية، وفي هذا على ما أرى مصادرة للقارئ إذ يقع منذ اللحظة الأولى تحت تأثير العنوان فيحيل الأحداث إلى مكون من مكونات الوجود، وفي جزء "العدم" حين يُقتل شمس ويموت عزيز، تضعنا أمام فكرة البعث من الموت، وكأن موت المتصوف يخلق لمريديه حياة أخرى، يستمر من خلالهم، الحركة تولد من السكون وهي الفكرة التي لطالما ألحت عليها الروائية منذ بداية عملها.
لا شك أن رواية "قواعد العشق الأربعون" رواية ممتعة بما تحمله من سرد شيٌق للأحداث والتطورات التي يمرّ بها أشخاص الرواية وأفكار التسامح وعدم إطلاق الأحكام المسبقة على الآخرين، بل إن كل شخصية في الرواية بذاتها هي تجربة جديرة بالتأمل، لكن السؤال الذي ما فتئ يساورني: هل من الممكن لتجربة الصوفية الفردية أن تكون خلاصاً للبشرية في القرن الواحد والعشرين؟ وكم يحتاج المرء من قوة في هذا العصر ليخوض تجربته الصوفية التي تخصه وحده ويكون فيها خلاصه.



مقتطفات من قواعد العشق الأربعون:

القاعدة الاولي : إن الطريقة التي نري فيها الله ما هي الا انعكاس للطريق التي نري فيها انفسن فاذا لم يكن الله يجلب الي عقولنا الي الخوف والملامة , فهذا يعني أن قدرا كبيرا من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا ,اما اذا رأينا الله مفعما بالمحبة و الرحمة , فاننا نكون كذلك.

قاعدة أخرى: 

إن الطريق الي الحقيقة يمر من القلب لا من الرأس فأجعل قلبك لا عقلك دليللك الرئيسي...  واجه , تحد , وتغلب في نهاية المطاف علي " النفس " بقلبك،إن معرفتك بنفسك ستقودك الي معرفة الله.

قاعدة أخرى 

يتكون الفكر و الحب من مواد مختلفة  فالفكر يربط البشر في عقد لكن الحب يذيب جميع العقد. 
إن الفكر حذر علي الدوام وهو يقول ناصحا "احذر الكثير من النشوة" بينما الحب يقول "لا تكترث أقدم علي هذه المجازفة" وفي حين أن الفكر لا يمكن ان يتلاشي بسهولة، فان الحب يتهدم بسهولة ويصبح ركاما من تلقاء نفسه لكن الكنوز تتواري بين الانقاض 
والقلب الكسير يخبئ كنوزا.
قاعدة أخرى
الوحدة والخلوة شيئان مختلفان , فعندما تكون وحيدا من السهل أن تخدع نفسك ويخيل اليك انك تسير علي الطريق القويم ،أما الخلوة فهي أفضل لنا لانها تعني انك تكون وحدك من دون ان تشعر انك وحيد، لكن في نهاية الامر , من الافضل لك ان تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك،تذكر انك لا تستطيع أن تري نفسك حقا ,الا في قلب شخص آخر وبوجود الله في داخلك
قاعدة أخريى
إن السعي وراء الحب يغيرنا فما من أحد يسعي وراء الحب إلا وينضج أثناء رحلته فما إن تبدأ رحلة البحث عن الحب حتي تبدأ أن تتغير من الداخل والخارج. 


هذه مقتطفات، وهي غيض من فيض، فبحر ابن الرومي لا ساحل له، وكتاب أليف شفاق جدير بالقراءة و التمعن، أنصحك بقراءته بشدة واضع لك رابطا للتحميل أدناه.



 هرتا مولر الكاتبة الرومانوالمانية تحوز على جائزة نوبل للآداب 2009. أبدعت هرتا مولر في تصوير الحياة الخراب في ظل نيكولاي تشاوشيسكو، الذي كانت له ميزة واحدة: الطاقة على تحمل الظلم الذي يلحقه بالناس وعلى الاستمرار في ذلك يوما بعد يوم.
تصف مولر كيف ذهبت بعد الجامعة للعمل في أحد المصانع.          
             (اقرأ «محاضرات الحائزين جائزة نوبل للأدب»)
لم يأت إليها المدير أو المشرف، بل مندوب المخابرات، يطلب منها التجسس على رفاقها: «جاءني وحش المخابرات ثلاث مرات في أسبوع واحد: عملاق ضخم ذو عينين زرقاوين. ظل واقفا في المرة الأولى، ثم شتمني وانصرف. في المرة الثانية جلس. في الثالثة جلس وبقيت واقفة لأنه وضع محفظته على كرسيي ولم أجرؤ على رفعها. أطلق عليّ سيلا من الشتائم: حمقاء وكسولة وامرأة سهلة وعفنة كالكلبة الشاردة (لاحظ مصادر القاموس). صرخ في وجهي: اكتبي أنك عميلة. رفضت، فحطم المزهرية على الحائط. خرج وهو يقول: سوف تندمين. سوف نغرقك في النهر. وقلت لحظتها في نفسي، الأفضل أن أختار الغرق».
بعدها صار عليها أن تذهب إلى مكتب مدير المصنع ليسألها، في حضور أمين الحزب، إن كانت قد عثرت على عمل آخر، وكانت تعطي إجابة واحدة: «أتمنى أن أتقاعد هنا». ثم ذات صباح وصلت إلى مكتبها فوجدت مهندسا آخر يحتله. آوتها صديقة لها في زاوية من مكتبها إلى أن جاء يوم منعتها هي أيضا من الدخول. وبدأت الإشاعات تلفها بين الزملاء: «في الواقع إنهم يعاقبونني لأنني أخليت سبيلهم». لم يعد لها مكان في المصنع سوى قفص السلم، أو بيت الدرج. وتذكرت أن أمها كانت تسألها كل صباح بعد خروجها من المنزل: «هل منديلك معك؟».ها هي تدرك الآن معنى السؤال. أضحى منديلها هو مكتبها. تضعه على درج السلم وتجلس عليه. وبعيدا عن الدرج، في البيت، لم تجد ملجأ تهرب إليه سوى الكتاب: «عندما كنت أكتب خوفا من الموت، كنت أزداد عطشا إلى الحياة، عطشا إلى الكلمات. وكان دوار الكلمات وحده قادرا على توصيف حالي».تروي دور المناديل في بيتها.. للبكاء وللصداع: «وللذين تحرمهم الديكتاتورية من كرامتهم كل يوم، وحتى اليوم، أريد أن أسألهم ببساطة: هل لديكم مناديل؟». لقد كان المنديل رفيقها الوحيد في عزلة قفص السلم واضطهاده. مؤنس ساعدها على تحمل ذل بلادها إلى أن هاجرت إلى ألمانيا مع من نجح في ذلك من «كلاب شاردة». «إنك لست سوى كلبة سائبة وعفنة»، قال لها مندوب المخابرات عندما رفضت «التعاون». لم يكن مسموحا لأي روماني بالبقاء خارج نظام النميمة والوشاية وسحق النفس. «نوبل» كانت مكافأتها على شجاعة الكبرياء.

المواضيع الأكثر قراءة

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مشتركون في المدونة

أقسام المدونة